أبي بكر جابر الجزائري

224

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيات : قوله تعالى الرَّحْمنُ « 1 » عَلَّمَ الْقُرْآنَ « 2 » يخبر تعالى أنه هو الرحمن الذي علم نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن لا كما يقول المبطلون إنما يعلمه بشر . الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء وهي متجلية ظاهرة فيما يعدد من آلاء ونعم . منها خلقه الإنسان آدم وذريته ، وتعليمهم البيان وهو النطق والإبانة عما في نفوسهم . الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ « 3 » يجريان لإفادة الناس في معرفة أوقات عباداتهم ، وآجال ديونهم وهي مظاهر الرحمة ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ والنجم غذاء بهائمكم والشجر فيه فاكهتكم وبعض غذائكم يَسْجُدانِ خضوعا لله بما أراد منهما لا يعصيان كما يعصي الثقلان . وَالسَّماءَ رَفَعَها عن الأرض ولم يلصقها بالأرض إنعاما منه على الثقلين في رفعها وتزيينها بكواكبها وشمسها وقمرها ، وَوَضَعَ الْمِيزانَ « 4 » أي العدل حيث أمر به وألهم وضع آلته وغرز في النفوس حبه والرغبة فيه ، من أجل ألا تجوروا في الميزان ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ بالعدل ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ أي لا تنقصوه إذا وزنتم بل وفوه كل هذا إنعام وألوان من رحمات الرحمن . وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ أي أثبتها وخفضها ودحاها لحياة الأنام . وهم الإنس والجان والحيوان ، فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ أي أوعية الطلع ، وَالْحَبُّ البر والشعير ذُو الْعَصْفِ « 5 » أي التبن وَالرَّيْحانُ هذه أنواع الطعام للإنسان والحيوان طعام وفاكهة وريحان كل هذه مظاهر الرحمة التي أفاضها الرحمن . فَبِأَيِّ آلاءِ « 6 » رَبِّكُما يا معشر الجن والإنس تُكَذِّبانِ . لا بشيء من نعمك ربّنا نكذب فلك الحمد . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - الرحمن مثل اسم اللّه لا يصح أن يطلق على غير الرب تبارك وتعالى ، فيقال فلان عزيز أو رحيم أو عليم أو حكيم ، ولكن لا يقال رحمان ، كما لا يقال إله أو الإله أو اللّه .

--> ( 1 ) اختير اسم الرحمن دون سائر الأسماء الإلهية لأمور منها : أنه الاسم الذي كان المشركون ينكرونه ، ومنها الرد على الزاعمين أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلمه بشر فأخبر تعالى أن الرحمن هو الذي علّم القرآن ، ومنها : أن يكون في هذا الخبر براعة استهلال إذ السورة تعدد عشرات النعم ، ومصدرها الرحمن عزّ وجل . ( 2 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ هذا الخبر عن الرحمن ، و خَلَقَ الْإِنْسانَ خبر ثان و عَلَّمَهُ الْبَيانَ خبر ثالث ، و الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ خبر رابع ، والرابط تقديره بحسبانه ، فالضمير عائد على الرحمن سبحانه وتعالى . ( 3 ) الحسبان : مصدر حسب بمعنى : عد كالغفران : مصدر غفر والباء للملابسة . ( 4 ) أصل الميزان : اسم آلة الوزن ، والوزن : تقدير تعادل الأشياء ، وضبط مقادير ثقلها ، و وَضَعَ بمعنى : جعل ومنه الحديث : ( فضعها حيث أراك اللّه ) أي : اجعلها . ( 5 ) سمي التبن عصفا : لأن الريح تعصف به لخفته . ( 6 ) الفاء للتفريع على ما تقدم من ضروب النعم العظيمة .